شهدت فنزويلا خلال الساعات الماضية واحدة من أخطر التطورات في تاريخها الحديث، بعدما أعلنت الولايات المتحدة تنفيذ عملية عسكرية واسعة أسفرت عن اعتقال الرئيس نيكولاس مادورو ونقله إلى الأراضي الأميركية، وسط جدل دولي حادّ حول شرعية التدخل ومستقبل السلطة في كراكاس.
عملية عسكرية أمريكية واسعة لاعتقال مادورو

بحسب تصريحات الرئيس الأميركي دونالد ترامب ورئيس هيئة الأركان المشتركة دان كاين، حملت العملية العسكرية اسم “العزم المطلق”، وجرت تحت جنح الظلام في الساعات الأولى من الثاني من يناير، بعد أشهر من التخطيط والتجهيز.
شاركت في العملية أكثر من 150 طائرة انطلقت من مواقع مختلفة في النصف الغربي للكرة الأرضية، مع استخدام قدرات استخبارية وتشويش إلكتروني، واستهدفت عدة مواقع في العاصمة كراكاس وولايات ميرندا وأراغوا ولا غويرا.
تفاصيل تنفيذ اعتقال الرئيس نيكولاس مادورو ونقله إلى أمريكا

أوضح ترامب أن القوات الأميركية اقتحمت ما وصفه بـ”حصن” كان يتحصن فيه مادورو، قبل أن يتم القبض عليه وعلى زوجته ونقلهما جوًا إلى خارج فنزويلا دون سقوط قتلى في صفوف القوات الأميركية، مع تسجيل إصابات طفيفة فقط.
لاحقًا هبطت الطائرة التي تقل مادورو في مطار ستيوارت داخل قاعدة عسكرية شمال نيويورك، حيث أظهر مقطع مصور خروجه مكبل اليدين والقدمين ورأسه مغطى، وسط حراسة مشددة من عناصر مكتب التحقيقات الفيدرالي.
ترامب: محاكمة في نيويورك واتهامات بـ”إرهاب المخدرات”

أعلن ترامب أن مادورو سيُحاكم في نيويورك بتهم تتعلق بـ”إرهاب المخدرات”، متهمًا إياه بالمسؤولية عن وفاة مئات الآلاف من الأميركيين سنويًا بسبب تجارة المخدرات القادمة من المنطقة.
كما صرّح الرئيس الأميركي بأن واشنطن تعتزم إدارة فنزويلا مؤقتًا إلى حين انتقال “آمن ومنظم للسلطة”، مع نية شركات أميركية دخول قطاع النفط الفنزويلي لإعادة تأهيل البنية التحتية واستخراج الموارد.
صور من غرفة العمليات وردود ترامب الإعلامية

نشر ترامب صورًا له داخل مركز عمليات في فلوريدا برفقة وزير الدفاع ووزير الخارجية ومسؤولين آخرين، أثناء متابعته للعملية لحظة بلحظة عبر بث مباشر من القوات الخاصة.

ووصف المشاهد التي تابعها بأنها أقرب إلى “برنامج تلفزيوني”، مؤكدًا أن التنفيذ تأخر أربعة أيام بسبب الأحوال الجوية، وأنه كان قد دعا مادورو قبل أسبوع إلى الاستسلام لكنه فضّل التفاوض بدلًا من ذلك.
موقف كاراكاس ورد فعل الحكومة الفنزويلية على اعتقال الرئيس نيكولاس مادورو

على الجانب الآخر، وصفت نائبة الرئيس الفنزويلي ديلسي رودريغيز ما جرى بأنه “خطف” للرئيس و”عدوان عسكري أميركي” على البلاد، مؤكدة أن الحكومة لا تعرف مكان وجود مادورو وزوجته وتطالب بإثبات أنهما على قيد الحياة.
وأشارت رودريغيز إلى سقوط عسكريين ومدنيين جراء الضربات التي استهدفت العاصمة ومناطق أخرى، داعية الفنزويليين إلى التهدئة والوحدة ورافضة بشكل قاطع تحول بلادها إلى “مستعمرة لأي دولة”.
احتجاجات داخلية وانقسام في المشهد الفنزويلي
شهدت كراكاس مظاهرات لمؤيدي مادورو تنديدًا بالضربة العسكرية الأميركية واعتقال الرئيس، واعتبروا ما جرى انتهاكًا صارخًا للسيادة الوطنية.
في المقابل، رحب معارضون بارزون، مثل المرشح الرئاسي السابق إدموندو جونزاليس، بإمكانية “إعادة بناء البلاد” بعد إزاحة مادورو، فيما دعت قيادات معارضة أخرى مثل ماريا كورينا ماتشادو إلى ترتيبات انتقالية وإطلاق سراح السجناء السياسيين.
مواقف دولية وانتقادات قانونية
أثارت عملية اعتقال الرئيس نيكولاس مادورو ردود فعل دولية متباينة؛ إذ عبّرت مفوضية الأمم المتحدة لحقوق الإنسان عن قلقها من التدخل العسكري، مشددة على ضرورة احترام القانون الدولي وحماية المدنيين.
كما دعت روسيا الولايات المتحدة إلى إطلاق سراح “الرئيس المنتخب شرعيًا” وزوجته، واعتبرت العملية انتهاكًا صارخًا لسيادة فنزويلا ومبادئ عدم التدخل.
في المقابل، صدرت تصريحات مؤيدة من بعض الساسة الغربيين اعتبروا ما حدث “خطوة حاسمة” في مواجهة ما يصفونه بـ”نظام استبدادي”.
أعداد الضحايا وسياق التصعيد

وفق مصادر فنزويلية نقلتها صحيفة “نيويورك تايمز”، قُتل ما لا يقل عن 40 شخصًا بين عسكريين ومدنيين خلال الضربات على كراكاس ومحيطها، وسط مخاوف من توسع الاضطرابات الأمنية.
تأتي هذه التطورات في سياق توتر ممتد بين واشنطن وكاراكاس حول النفط والعقوبات والاتهامات المتبادلة بالتدخل في الشؤون الداخلية، ما يجعل الأزمة الحالية مرشحة لمزيد من التعقيد السياسي والقانوني على المستوى الدولي.
بهذه المعطيات تبدو فنزويلا مقبلة على مرحلة شديدة الحساسية، بين ضغوط أميركية تسعى لترتيب مشهد سياسي جديد، وسلطات قائمة تعتبر ما جرى “انقلابًا خارجيًا”، ومعارضة داخلية تحاول استثمار اللحظة لإعادة تشكيل السلطة، بينما يبقى مصير البلاد واقتصادها وشعبها رهينًا لمسار التطورات المقبلة.
